حسن بن عبد الله السيرافي

309

شرح كتاب سيبويه

بعض العرب : من كانت أمّك ، حيث أوقع ( من ) على مؤنّث " . قال أبو سعيد : اعلم أن ( من ) و ( ما ) لهما لفظ ومعنى ، والألفاظ الجارية عليهما يحق أن تكون محمولة على لفظيهما ومعناهما ، فإذا جرت على لفظهما ، كان مذكّرا موحّدا ، تقول : " من قام " سواء أردت واحدا أو اثنين أو جماعة من مذكر ومؤنث ، وكذلك : " ما أصابك " سواء أردت به شيئا أو شيئين من مذكر ومؤنث . ويجوز أن تحمل الكلام على معناهما ، فتقول : " من قامت " إذا أردت مؤنثا ، وفيكم من يختصمان ، ومن يقومان ، ومن يقمن ، ومن يقومون . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً " 1 " فذكّر " يقنت " على لفظ " من " ، وأنّث " تعمل " على معناها ، ولو ذكرهما على اللفظ أو أنّثهما على المعنى لجاز . وبعض الكوفيين يزعم أنه لا يجوز تذكير الثاني ؛ لأنه قد ظهر تأنيث المعنى بقوله : " منكن " وهذا غلط لأنّا إنما نردّه إلى لفظ ( من ) وقد قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً " 2 " ، فقال تعالى : " ومن يؤمن " موحدا على لفظ " من " ، ثم قال : " خالدين " على المعنى ، ثم رجع إلى اللفظ فقال تعالى : " قد أحسن اللّه له رزقا " ، فبطل بما ذكرناه ما توهمه الكوفي . وقال اللّه تعالى في جمع ( من ) على المعنى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ " 3 " وعلى اللفظ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ " 4 " وقال تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " 5 " ثم قال تعالى : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " 6 " على المعنى . ثم قال الفرزدق في التثنية :

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية : 31 . ( 2 ) سورة الطلاق ، آية : 11 . ( 3 ) سورة يونس ، آية : 42 . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية : 25 . ( 5 ) سورة البقرة ، آية : 112 . ( 6 ) سورة البقرة ، آية : 112 .